محمد دياب الإتليدي

210

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

قال الرجل : فأخذني صاحب الشرطة وصيرني في مكان يثق به ، وتفرغ العباس لنفسه وتحنط وجهز له كفناً . قال العباس : فلم أفرغ من صلاة الصبح إلا وأرسل المأمون في طلبي يقولون : يقول لك أمير المؤمنين : هات الرجل معك وقم . قال : فتوجهت إلى دار أمير المؤمنين وإذا هو جالس وعليه كآبة ، فقال : أين الرجل ؟ فسكت ، فقال : ويحك أين الرجل ؟ فسكت ، فقال ويحك أين الرجل ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين اسمع مني ما أقول . فقال : لله علي عهد ، لئن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك . فقلت لا والله ، يا أمير المؤمنين إنه ما هرب ، ولكن اسمع حديثي معه كيت وكيت ، وقصصت عليه القصة جميعها وعرفته أني أريد أن أفي له وأكافئه على ما فعله معي ، وقلت : أنا وسيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين : إما أن يصفح عني ، وقد وفيت وكافأت ، وإما أن يقتلني فأقيه بنفسي وقد تحنطت ، وها كفني يا أمير المؤمنين . فلما سمع المأمون الحديث قال : ويحك ، لا جزاك الله خيراً عن نفسك ، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة ، وتكافئه بعد المعرفة والعهد بهذا لا غير ؟ هلا عرفتني خبره ، فكنت أكافئه عنك ولا أقصر بوفائي له ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين إنه ههنا ، وقد حلف أنه لا يبرح حتى يعرف سلامتي ، فإن احتجت إلى حضوره حضر . فقال المأمون : وهذه منة أعظم من الأولى ، اذهب الآن فطيب نفسه وسكن روعه وائتني به حتى أتولى مكافأته عنك . قال : فأتيت إليه وقلت : ليزل عنك حزنك ، إن أمير المؤمنين قال كيت وكيت . فقال : الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء أحد سواه . ثم قام فصلى ركعتين ، ثم أتيت به إلى أمير المؤمنين ، فلما مثل بين يديه أقبل عليه وأدنى مجلسه وحدثه حتى حضر الغداء وأكل معه وخلع عليه وعرض عليه أعمال دمشق فاستعفى عنها ، فأمر له المأمون بعشرة أفراس بسروجها ولجمها ، وعشرة بغال بآلاتها ، وعشر بدر ، وعشرة آلاف دينار ، وعشرة مماليك بدوابهم ، وكتب إلى عامله بدمشق بالوصية به ، وأطلق خراجه ، وأمر بمكاتبته بأحوال دمشق ، فصارت كتبه تصل إلى المأمون وكلما وصلت خريطة البريد وفيها كتابه يقول لي : يا عباس هذا كتاب صديقك ، والله أعلم .